أحمد بن محمد ابن عربشاه
478
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
ثم قال تيمور وهو كالنمور يمور : اقسم بالله وآياته وذاته وصفاته ووحيه وكلماته وأرضه وسماواته ، وكل نبي ومعجزاته ، وولى وكراماته ، وبرأس نفسه وحياته ؛ لئن آكل محمد قاوجين أحدا ، أو شاربه ، أو ماشاه ، أو صاحبه ، أو كلمه ، أو صافاه ، أو أوى إليه ، أو آواه ، أو راجعنى في أمره ، أو شفع عندي فيه أو فاه بعذره ، لأجعلنه مثله ولأصيرنه مثله ، ثم طرده وأخرجه ، وقد سلبه نعمته وأحرجه ، فسار مسلوب النعم قد حلت به في لحظة نوائب النقم ، فسحبوه بالولق « 1 » ، ورأى نعمته على أقل الخلق ، واتصل غيره بالحلق وقطع منه الحلق ، ففلقت حبة قلبه أشد فلق ، ولم يزل على ذلك في عيش مر وعمر حالك ، وحاشا أن تشبه قضيته قصة كعب بن مالك « 2 » ، فكان يستحلى مرارة الموت ويستبطى إشارة الفوت ، وكل لحظة من هذا الحيف « 3 » ، أشد عليه من ألف ضربة بالسيف ، فلما هلك تيمور أحياه ورد عليه خليل سلطان « 4 » ما كان سلبه جده إياه . وإنما أوردت هذه السيرة يا زكى السريرة ؛ لتقيس على هذا المثال نظيره ، وتعرف أخلاق الملوك ومعاملاتهم الغنى والصعلوك ، وأن نظرهم نضار « 5 » ، وأعراضهم بوار ودمار ، ومن أراد أن يطلع على سر القضاء والقدر فليراقب شفتى الملك إذا نهى وأمر وقال من أحسن المقال : قرب الملوك يا أخا القدر السّمى * حظ جزيل بين شدقى ضيغم « 6 »
--> ( 1 ) بسرعة . ( 2 ) كعب بن مالك ؛ ابن أبي مالك ، عمرو بن القين بن كعب بن سلمة الأنصاري . شاعر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وصاحبه . وكان من أهل الصنعة وذهب بصره في خلافة معاوية . وكان مما شهد العقبة . مات سنة ( 51 ه ) . سير أعلام النبلاء ( 213 ) . ( 3 ) الظلم . ( 4 ) حفيد تيمور لنك . ( 5 ) قوى ، حاد . ( 6 ) الضيغم : الأسد .